نجيب الريحاني.. ذكرى ميلاد الضاحك الباكي المعبر عن هموم البسطاء

نجيب الريحاني.. ذكرى ميلاد الضاحك الباكي المعبر عن هموم البسطاء
شارك المحتوى

“عايزين مسرح مصري، مسرح ابن بلد، فيه ريحة “الطعميَّة” و”المُلوخيَّة”، مش ريحة “البطاطس المسلوق” و”البُفتيك”… مسرح نتكلَّم عليه اللُغة التي يفهمها الفلَّاح والعامل ورجل الشارع، ونُقدِّم لهُ ما يُحب أن يسمعهُ ويراه..”، كلمات نطق بها الضاحك الباكي زعيم المسرح العربي، نجيب الريحاني، في وقت كانت تهيمن الروايات الغربية على العروض المسرحية في مصر، لتخاطب المثقفين و”كيرزة المجتمع”، وهو الأمر الذي لم يعجب الريحاني الذي وضع نصب عينيه المواطن المصري والعربي البسيط، فقرر تأسيس مسرح بشكل أخر يرتبط بالواقع والحياة اليومية لمعدومي الدخل الذين يصارعون الحياة لانتزاع لحظة سعادة، تلك اللحظة التي حققها الريحاني ليس فقط للمواطن البسيط بل للشعوب العربية بأكملها جيلا وراء جيل من خلاله أعماله الخالدة في تاريخ السينما المصرية.

% نجيب الريحاني.. ذكرى ميلاد الضاحك الباكي المعبر عن هموم البسطاء

 

وتحل اليوم -21 يناير- ذكرى ميلاد الفنان الكبير نجيب الريحاني، الذي ولد بالقاهرة عام 1889، لعائلة ذات أصول عراقية كانت تعمل بتجارة الخيول، ونشأ في حي باب الشعرية مخالطا للبسطاء، ما جعله متمكنا من التعبير عن همومهم بشخصياته التي قدمها على الشاشة أو خشبة المسرح.

 

تمتد مسيرة الريحاني لنحو 30 عاما، بدأها مع المسرح بأدوار بسيطة لكنها مؤثرة، إذ قدم الكوميديا بطريقة درامية، وساعد ظهور السينما في زيادة شعبيته وامتداد سلسلتها مع الأجيال حتى يومنا هذا.


تلقى الريحاني تعليمه بمدرسة الفرير الفرنسية، ومع تخرجه التحق بالعمل المصرفي بأحد البنوك، لكن لازمه تعلقه بفن التمثيل، الذي أحبّه منذ صغره وقت أن قدم للمسرح المدرسي شخصيات من المسرح الكلاسيكي الأوروبي. وكان أحد زملائه في البنك يدير فرقة مسرحية، فأشار عليه بالالتحاق بها، وكانت أولى خطوات مشواره.

% نجيب الريحاني.. ذكرى ميلاد الضاحك الباكي المعبر عن هموم البسطاء

 

يعد الريحاني من رواد الكوميديا في تاريخنا الفني، إذ قدمها في قالب درامي يجعل الضحكات تعلو ويعقبها الدموع، وكان ذلك ظلا لحياته وواقعه الذي شهد على كثير من صور المعاناة والإيذاء النفسي الذي طاله مع نجاحه.

 

وفي ذكر ذلك، روى الريحاني في مذكراته، التي نشرت لمرات عديدة، كان آخرها عن مؤسسة “هنداوي” الثقافية، قائلا: “بعد فصلي من البنك، اتخذت من (قهوة الفن) محلا مختارا للإقامة، وبعد أيام صادفني فيها الأستاذ أمين عطا الله، فعرض علي أن أسافر معه إلى الإسكندرية؛ لأن أخاه الأكبر المرحوم سليم عطا الله، ألّف فرقة هناك هي محل عطف البلدية (جهة للحكم المحلي مثل الأحياء حاليا) التي تساعدها بإعانة مالية مصرية في الشهر، وهو أول مرتب ذي قيمة تناولته من التمثيل”.

 

وكانت فرقة المرحوم سليم عطا تُحضر لمسرحية “شارلمان الأكبر”، وكان العرف يقضي آنذاك بأن يسند دور البطولة إلى مدير الفرقة وهو سليم، ويكون الدور الثاني من نصيب الريحاني، الذي عدها فرصة ممتازة لإثبات النفس وإظهار الموهبة، خاصة مع دور درامي وليس هزليا كمان كان في سابق البدايات.

 

وبالفعل، مع بداية ليالي عرض المسرحية، أبدى الريحاني نجاحا كبيرا في تقديم الشخصية، وما جعل ذلك أكثر وضوحا هي مشاهده المشتركة مع البطل، التي كانت تظهر تفوقه عليه، ونال عن ذلك إعجابا كبيرا؛ ما جعل الجمهور يطلب مقابلة مدير الفرقة، ليبلغوه بإعجابهم بموهبته، مطالبين مدير الفرقة بالاحتفاظ به؛ “إذ إن له مستقبل كبير لا يشق له غبار”، على حد وصف المذكرات المنشورة.

% نجيب الريحاني.. ذكرى ميلاد الضاحك الباكي المعبر عن هموم البسطاء

 

وبعد إحدى ليال العرض، طلب بطل المسرحية ونجمها -الذي فقد جزءا من بريقه- الريحاني لمكتبه، الذي كان خبرا مفرحا بالنسبة لـ”الريحاني” إذ توقع منه الشكر والإعجاب، وترجمه إلى زيادة في الأجر، ويحكي ذلك الموقف قائلا: “حبكت أزرار جاكتتي، ودخلت على مديري باسما متهللا معللا نفسي بالآمال، قائلا في سري إنه (يكفيني أن تكون العلاوة جنيها واحدا وخليني لطيف، لأن الطمع يقل ما جمع). وبعد هذا الحوار الظريف بيني وبين نفسي التي هي أمارة بالسوء، ابتدرني المدير قائلا تلك الجملة المأثورة التي لا يزال صداها يرن في أذني (أنا متأسف جدا يا نجيب أفندي لأن الفرقة استغنت عنك!)”، ليقع الريحاني في إشكال “هل النجاح خطأ أستحق عنه عقابا؟!”.

 

توفي الريحاني عام 1949، وبعد هذا التاريخ بسنوات قليلة، نشرت “دار الهلال” مذكراته وسيرة حياته، التي تواصلت طبعاتها حتى سنوات قريبة، وتعد بالنسبة للجميع سيرة أصلية تمخضت من قلم الريحاني، وعدت مرجعا هاما للجميع على مدى أكثر من نصف قرن.